هند رجب
هند رجب، طفلة فلسطينية لم تتجاوز السادسة من عمرها، باتت أيقونة عالمية ترمز إلى وحشية الحرب في قطاع غزة، بعد أن أنهت دبابات الاحتلال الإسرائيلي حياتها وحياة أسرتها في يناير/كانون الثاني 2024. لم تكن هند مجرد ضحية أخرى في سجل الصراع الدامي، بل تحولت قصتها المأساوية إلى صرخة مدوية تجاوزت حدود الجغرافيا، وكشفت عن أبعاد إنسانية وقانونية عميقة، فيما لا يزال صوت استغاثتها يتردد صداه في المحافل الدولية، محركًا الضمائر ومسؤولًا عن تأسيس كيان قانوني يحمل اسمها لملاحقة مرتكبي الجرائم.
وُلدت هند رجب في الثالث من مايو/أيار 2018، وعاشت سنواتها القصيرة في حي تل الهوى بمدينة غزة. في التاسع والعشرين من يناير/كانون الثاني 2024، وأثناء محاولة عائلتها النزوح إلى مكان آمن بمدينة غزة هرباً من القصف، استُهدفت المركبة التي كانت تقلهم بنيران الدبابات الإسرائيلية. كانت هند الناجية الوحيدة في البداية، إذ حوصرت السيارة التي كانت تقل ستة من أقاربها.
في تلك اللحظات العصيبة، اتصلت الطفلة ليان حمادة، ابنة عم هند البالغة من العمر أربعة عشر عامًا، بالهلال الأحمر الفلسطيني مستنجدة. وصفت ليان إطلاق دبابة إسرائيلية النار على سيارتهم قرب “دوار المالية” في حي تل الهوى. وخلال المكالمة، سُمع صوت صراخ ليان ووابل كثيف من الرصاص قبل أن ينقطع الاتصال فجأة.
بعد انقطاع الاتصال مع ليان، استمر أفراد الهلال الأحمر الفلسطيني في محاولات التواصل، وتبين أن هند لا تزال على قيد الحياة. ظل أهلها يتواصلون معها، محاولين تهدئتها وإبلاغها بأن سيارة الإسعاف في طريقها لإنقاذها. على إثر ذلك، انطلق طاقم من الهلال الأحمر، مكون من المسعفين يوسف زينو وأحمد المدهون، في مهمة إنقاذ عاجلة وخطيرة، بالتنسيق مع الارتباط الفلسطيني. إلا أن الاتصال مع الطاقم انقطع بعد ساعات من انطلاقه، ليمر اثنا عشر يومًا من القلق والترقب.
في العاشر من فبراير/شباط 2024، وبعد انسحاب قوات الاحتلال من المنطقة، عُثر على جثمان الطفلة هند وأفراد عائلتها داخل المركبة المدمرة في محيط “دوار المالية”. كما عُثر على بعد أمتار قليلة على سيارة الإسعاف وقد دُمرت، واستُشهد فيها المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون، اللذان هرعا لنجدة هند.
أظهرت التحقيقات اللاحقة، ومنها تحقيق لصحيفة “واشنطن بوست” استند إلى صور الأقمار الصناعية وتحليل خبراء الأسلحة، أن أربع مركبات عسكرية إسرائيلية كانت على بعد أقل من ثلاثمئة متر من موقع الطفلة وفي مرمى رؤيتها. وأشار التحقيق ذاته إلى أن الذخيرة التي أصابت سيارة العائلة ومركبة الإسعاف تتطابق مع النوعية التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي. كما كشف تحليل المكالمة الهاتفية أن سيارة العائلة تعرضت لنحو اثنتين وسبعين طلقة خلال ست ثوانٍ فقط أثناء اتصال الطفلة.
في السياق ذاته، أكد تقرير صادر عن منظمة “فورينزيك أركيتكشر” في أبريل/نيسان 2024 أن سيارة العائلة استُهدفت بنيران دبابة إسرائيلية، وأن طاقم الدبابة كان قادرًا على رؤية السيارة ومن فيها، بما في ذلك هند. وأشار التقرير كذلك إلى أن طاقم الهلال الأحمر الذي سارع لإنقاذها تعرض هو الآخر لإصابة من دبابة إسرائيلية، مما يؤكد الاستهداف المباشر والمتعمد.
أثارت هذه الحادثة ردود فعل دولية غاضبة، وبات صوت هند رجب، الذي وثقه الهلال الأحمر الفلسطيني في تسجيلات صوتية مؤثرة، رمزًا للمعاناة الفلسطينية.
لم تكن جريمة قتل هند نهاية القصة، بل كانت بداية لملاحقة قانونية وإنسانية. فقد تحولت هند رجب إلى أيقونة عالمية تتجاوز حدود غزة، إذ تداول العالم قصتها كنموذج يبرز العقلية التي تحرك جنود الاحتلال.
في أكتوبر/تشرين الأول 2024، أُعلنت رسميًا مؤسسة “هند رجب” الحقوقية، واتخذت من العاصمة البلجيكية بروكسل مقرًا لها. ركزت المؤسسة منذ تأسيسها على الملاحقة القانونية لمرتكبي الجرائم والمتواطئين معهم، وعملت على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، وتحديد هوية العديد من الجنود الإسرائيليين الذين نشروا أدلة على جرائمهم بأنفسهم عبر منصات التواصل الاجتماعي.
في ذكرى ميلاد هند السابع في الثالث من مايو/أيار 2025، قدمت المؤسسة شكوى رسمية إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، متهمةً الضابط الإسرائيلي المقدم بني أهارون، قائد اللواء المدرع 401 في الجيش الإسرائيلي، بالمسؤولية المباشرة عن قتل هند وعائلتها وطاقم الإسعاف. وقد تم التعرف على الضباط الميدانيين المسؤولين عن العملية وأدوارهم بالكامل.
وباتت مؤسسة “هند رجب” تثير الذعر في صفوف جيش الاحتلال، فيما تشير تقارير إلى أنها جمعت معلومات عن أكثر من ألف جندي إسرائيلي من مزدوجي الجنسية شاركوا في حرب غزة، وقُدمت طلبات اعتقال ضدهم في عدة دول، مما دفع جهاز الموساد إلى التدخل لتهريب العديد من الجنود والضباط.
وفي تأكيد على أن هذه الممارسات ليست فردية، كشفت المؤسسة للعالم أن سلوك جنود الاحتلال يعكس نهج الجيش وسياسات الحكومة المتطرفة. وقد أيد هذا الرأي المحامي شنير كلاين المختص في حقوق الإنسان، الذي أكد في مقال له بصحيفة “هآرتس” أن “الجنود المطلوبين في الخارج ليسوا أعشابًا ضارة بل الجيش بأسره”.
كما رفضت وزيرة العدل البلجيكية آنيليس فيرليندن تقريرًا إسرائيليًا تشهيريًا ضد المؤسسة بعد تحقيقات دقيقة أثبتت عدم صحة التقرير، ما يؤكد مصداقية المؤسسة القانونية.
امتد تأثير قصة هند إلى المشهد الثقافي والاحتجاجي العالمي، ففي مايو/أيار 2024، أطلق مغني الراب الأمريكي “ماكليمور” أغنية احتجاجية بعنوان “قاعة هند” تخليدًا لذكراها. وفي الجامعات الأمريكية، أطلق طلاب متظاهرون اسم “قاعة هند” على إحدى القاعات التاريخية بجامعة كولومبيا في نيويورك، تخليدًا لذكراها. كما سيُعرض فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية لأول مرة عالميًا في المسابقة الرئيسية لمهرجان البندقية السينمائي الدولي في عام 2025، متتبعًا الأحداث من وجهة نظر متطوعي الصليب الأحمر والهلال الأحمر.
سيبقى صوت هند رجب وصرخات استغاثتها يلاحقان مرتكبي هذه الجريمة، وتظل قصتها المأساوية محفورة في الذاكرة الجمعية، شاهدة على ثمن الإنسانية الباهظ في غزة، ومحركًا للعدالة التي تسعى مؤسسة “هند رجب” لتحقيقها.
المصدر: شبكة صمود الإخبارية

تعليق واحد