شهادة الصحفي سامر خويرة عن معاناة الأسرى في سجون الاحتلال
يُعدّ الإفراج عن الصحفي الفلسطيني سامر خويرة من سجون الاحتلال، بعد تسعة أشهر من الاعتقال الإداري، حدثاً لا يمثل مجرد نهاية لفترة قسرية من الغياب، بل هو نافذة تطل على عمق المعاناة الإنسانية التي يعيشها آلاف الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم. ففي كل قصة تحرر، تتجلى أبعاد جديدة لأوضاع الأسر، وتبرز تحديات الحرية التي لا تكتمل إلا بتحرير جميع الأسرى. يستعرض هذا التقرير شهادة خويرة وتداعيات تجربته على عائلته، محللاً السياق الأوسع لمعاناة الحركة الأسيرة في ظل سياسات الاحتلال.
“ميلاد جديد” من رحم المعاناة
وصف الصحفي سامر خويرة لحظة الإفراج عنه بأنها “ميلاد جديد”، تعبيراً عن حجم الصغط النفسي والجسدي الذي تعرض له، والشعور بالعودة للحياة بعد فترة من العزل والتجريد. لم تكن هذه اللحظة عادية، فقد سجد باكياً فور نزوله من الحافلة، في مشهد يعكس مزيجاً من عدم التصديق والامتنان للعودة إلى الحرية وعائلته التي ظن في أوقات كثيرة أنه لن يراها مجدداً. هذا الفعل التعبيري يكشف عن الصدمة النفسية العميقة التي يتركها الاعتقال، حيث تتلاشى الحدود بين الواقع والحلم.
تكتمل فرحة سامر، كما يقول، باحتضانه أبناءه الذين يصفهم بـ”جواهري”، مؤكداً أن الخوف من الغياب الأبدي عنهم كان أقسى ما يؤلمه داخل السجن. هذه المشاعر الأبوية تعكس جانباً إنسانياً بالغ الأهمية، حيث لا ينحصر ألم الأسير في زنازين الاعتقال وحسب، بل يتجاوزها ليشمل الخوف على مستقبل عائلته وفقدان دوره كأب ومعيل.
يصف خويرة أوضاع الأسرى بأنها “لا يمكن وصفها بالكلمات”، معتبراً أن السجون “كوكب منفصل” عما يعرفه الناس في الخارج، وأن ما يجري خلف القضبان يفوق كل تصور أو كتابة. هذه الشهادة المباشرة تبرز العزلة التامة التي يعيشها الأسرى، حيث تنقطع صلتهم بالعالم الخارجي وتصبح حياتهم محكومة بقوانين وظروف استثنائية وقاسية. الأوضاع المتردية داخل السجون، من اكتظاظ ونقص في الرعاية الصحية وسوء معاملة، تخلق بيئة قمعية تؤثر بشكل بالغ على الصحة الجسدية والنفسية للأسرى.
لم يكتفِ سامر بسرد تجربته الشخصية، بل وجه رسالة مباشرة إلى الشارع الفلسطيني، داعياً إلى عدم نسيان الأسرى، قائلاً إنهم “أموات يتنفسون فقط”. هذه العبارة القوية تلخص حجم اليأس والألم الذي قد يعتري الأسرى، حيث يشعرون بفقدان الحياة الحقيقية، وأن أملهم الوحيد هو الله ودعاء الأحرار. كما طالب بتحسين ظروفهم المعيشية على الأقل، في حال تعذر إنهاء ملف الاعتقال والسجون بشكل كامل، وهو ما يعكس مطلبهم الأساسي بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
معاناة العائلة في غياب السند
على الجانب الآخر من هذه القصة، تتكشف معاناة الزوجة والأبناء، الذين يعيشون تجربة اعتقال موازية، وإن كانت خارج أسوار السجن. تروي زوجة سامر تفاصيل تسعة أشهر من القلق والترقب، حيث كانت تمر أسابيع وأشهر دون معرفة مكان احتجازه أو وضعه القانوني، خاصة وأنه اعتقل وهو يعاني من حالة صحية صعبة. هذا الغياب للمعلومات يشكل جزءاً من سياسة الضغط النفسي على العائلات، ويزيد من معاناتهم. تعتمد العائلات على معلومات متقطعة من المحامين وهيئة شؤون الأسرى، أو من خلال شبان أُفرج عنهم، مما يجعل حياتهم سلسلة من الانتظار المحفوف بالخوف.
تصف الزوجة أن أكثر اللحظات قسوة كانت عند الإعلان عن استشهاد أسرى في الفئة العمرية نفسها، إذ كانت تعيش مع كل خبر هاجس أن يكون سامر هو الاسم التالي. هذا الخوف المشروع يعكس الواقع المرير الذي يواجهه الأسرى، حيث شهدت السجون الفلسطينية ارتفاعاً في أعداد الشهداء بسبب الإهمال الطبي وسوء المعاملة، مما يضاعف من معاناة عائلاتهم. كما أن رؤيتها للأسرى المحررين الذين يبدون وكأنهم خرجوا من جحيم لا من سجن، زاد من مخاوفها على شكل زوجها وحالته الصحية عند الإفراج عنه، وهو ما تأكد عندما رأت التغير الكامل في ملامحه وصحته.
أما بنات سامر، فلكل واحدة منهن روايتها الخاصة مع لحظة الاعتقال والغياب والعودة. تتذكر إحداهن فجر الاعتقال حين استيقظت على وجود أعداد كبيرة من جنود الاحتلال داخل المنزل، في مشهد مشحون بالتوتر والرعب، قبل أن يودعها والدها ويحملها مسؤولية العائلة، مطالباً إياها بالقوة والثبات. هذا المشهد يترك أثراً نفسياً عميقاً على الأطفال، ويحملهم أعباء تفوق قدراتهم. وتصف ابنته الأخرى لحظة مشاهدة صور خروجه على الإنترنت بأنها بدت “كالحلم”، قبل أن تصطدم بالتغير الكبير في شكله، وتنفجر مشاعر الفقد والاشتياق مع أول لقاء. هذه اللحظات تجمع بين الفرح والأسى، مؤكدة أن الحرية الجسدية قد لا تعني الشفاء التام من آثار التجربة.
الاعتقال الإداري – سيف مسلط على رقاب الفلسطينيين
تأتي قصة سامر خويرة في سياق سياسة الاعتقال الإداري التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي بشكل واسع النطاق ضد الفلسطينيين. فالاعتقال الإداري هو احتجاز يتم دون توجيه تهمة أو محاكمة، بناءً على “معلومات سرية” لا يطلع عليها المعتقل أو محاميه، ويمكن تجديده لمرات غير محدودة، مما يحول حياة المعتقل إلى دوامة من عدم اليقين. وقد استخدمت هذه السياسة بشكل ممنهج ضد الصحفيين والنشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان لتقييد حرياتهم وإسكات أصواتهم، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني ومبادئ حقوق الإنسان التي تضمن الحق في المحاكمة العادلة.
وقد بلغ عدد الأسرى الإداريين في سجون الاحتلال مستويات غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة، مما يعكس تصاعداً في هذه السياسة القمعية. يهدف الاحتلال من وراء الاعتقال الإداري إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الفلسطيني وإضعاف القيادات المجتمعية، مما يترك أثراً سلبياً عميقاً على الأفراد والمجتمعات على حد سواء. إن تجربة سامر خويرة هي مجرد مثال واحد من آلاف القصص التي تتجسد فيها قسوة هذه السياسة.
دعوة للشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي
تختتم قصة سامر خويرة وعائلته، كما تصف ابنته، بعودة الطمأنينة إلى البيت، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن القصة لم تنتهِ بعد. إنها تختصر حكاية آلاف الأسرى الذين ما زالوا خلف القضبان، في انتظار لحظة تشبه تلك اللحظة، حين تتحول الحرية من صورة على شاشة إلى عناق حقيقي داخل البيت. هذه العبارة تحمل في طياتها دعوة صريحة ومؤثرة للشارع الفلسطيني والمجتمع الدولي.
إن رسالة سامر خويرة بأن الأسرى “أموات يتنفسون فقط” هي صرخة استغاثة يجب ألا تمر مرور الكرام. فهي تتطلب تضافر الجهود على المستويات كافة:
- على الصعيد الفلسطيني: ضرورة تعزيز الوحدة الوطنية لدعم قضية الأسرى، وتكثيف حملات التضامن الشعبية والرسمية، والضغط المستمر لتحسين ظروفهم وإطلاق سراحهم.
- على الصعيد الدولي: يقع على عاتق المنظمات الحقوقية الدولية والحكومات مسؤولية الضغط على الاحتلال لوقف سياسة الاعتقال الإداري، وتطبيق اتفاقيات جنيف التي تضمن حقوق الأسرى، والسماح للمنظمات الإنسانية بزيارة السجون والاطلاع على أوضاع الأسرى.
في الختام، إن شهادة الصحفي سامر خويرة ليست مجرد قصة شخصية، بل هي مرآة تعكس الواقع القاسي الذي يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين وعائلاتهم. إنها تذكرة بأهمية قضية الأسرى كقضية وطنية وإنسانية بامتياز، تتطلب التذكير بها باستمرار، والعمل الدؤوب لتحقيق حريتهم وكرامتهم. وبينما تعود الطمأنينة إلى بيت سامر، يظل التحدي قائماً بتحويل الأمل بالحرية من مجرد حلم إلى واقع ملموس لكل أسير فلسطيني، لكي تتحقق “الولادة الجديدة” بحق، ليس لواحد فقط، بل لكل من ينتظر لحظة العناق الحقيقي.



إرسال التعليق