مساعي واشنطن للاستحواذ على غرينلاند تثير مخاوف أوروبية من تداعيات على الناتو

غرينلاند

تتواصل المساعي الأوروبية لمواجهة محاولات الإدارة الأميركية الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي وتتبع الدانمارك. وقد تصاعدت المخاوف الأوروبية من تداعيات محتملة على العلاقة مع واشنطن ومستقبل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وذلك في ظل تصريحات حديثة لقادة أوروبيين أبرزت حجم القلق من هذا الملف الاستراتيجي.

خلفية الحدث وتصاعد الاهتمام بغرينلاند

تعد غرينلاند أكبر جزيرة في العالم، وتقع بين المحيط المتجمد الشمالي والمحيط الأطلسي الشمالي، مما يمنحها موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية. ورغم كونها جزءًا من قارة أميركا الشمالية جغرافيًا، إلا أنها ترتبط بأوروبا سياسيًا من خلال تبعيتها للدانمارك. وتشتهر الجزيرة بثرائها بالموارد الطبيعية، وتغطيها مساحات شاسعة من الجليد والتندرا.

ولم تكن غرينلاند بعيدة عن الاهتمام الأميركي تاريخيًا، ففي عام 1946، عرضت الولايات المتحدة شراء الجزيرة مقابل 100 مليون دولار، وهو ما رفضته كوبنهاغن آنذاك. وبدلًا من البيع، وافقت الدانمارك على إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية، في خطوة تمت بسرية خلال الحرب الباردة ولم تُكشف إلا عام 1991. إلا أن الاهتمام الأميركي بالجزيرة تجدد بشكل لافت مع إعلان الرئيس دونالد ترامب عن نيته ضم الجزيرة، ملوحًا باحتمالية استخدام القوة في حال فشلت محاولات الشراء، مما أعاد القضية إلى الواجهة الدولية وأثار قلقًا واسعًا في أوروبا.

تطورات الموقف الأوروبي وتصريحات القادة

في ظل هذه التطورات، تجددت المخاوف الأوروبية من صدام محتمل مع واشنطن، وانهيار حلف الناتو، وهو ما عبر عنه عدد من كبار المسؤولين الأوروبيين وحلف الناتو:

  • مفوض الاتحاد الأوروبي للدفاع: صرح أندريوس كوبيليوس، مفوض الاتحاد الأوروبي للدفاع، خلال مؤتمر أمني في السويد، بأن “استيلاء الولايات المتحدة بالقوة على غرينلاند سيكون نهاية حلف شمال الأطلسي”. وأوضح كوبيليوس أن الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ملزمة بتقديم المساعدة للدانمارك إذا تعرضت لعدوان عسكري، مؤكدًا اتفاقه مع رئيس الوزراء الدانماركي على أن مثل هذه الخطوة ستكون لها “آثار سلبية للغاية على الناس”.
  • المستشار الألماني: من جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، خلال زيارته لمدينة أحمد آباد الهندية، توقعه بأن تتواصل الولايات المتحدة لحماية غرينلاند بالتعاون مع الدانمارك. وأشار ميرتس إلى أن هناك “مناقشات مفصلة للغاية” جارية مع الحكومة الدانماركية بهدف “العمل معًا لتحسين الوضع الأمني لغرينلاند”، معربًا عن توقعه بمشاركة الأميركيين في ذلك، وأن المحادثات في الأيام والأسابيع القادمة ستحدد إطار هذا التعاون.
  • أمين عام حلف الناتو: وفي السياق ذاته، أكد أمين عام حلف الناتو، خلال زيارة لزغرب، أن التحالف يعمل على “سبل تعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية”. وأشار إلى أن التحالف يسعى حاليًا لتحديد “الخطوات التالية لضمان حماية جماعية لما هو على المحكّ”، في إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند وتأثير التطورات المتعلقة بها على الأمن الجماعي للحلف.

الأثر والتداعيات المحتملة

تُبرز التصريحات الأوروبية الأخيرة حجم التداعيات المحتملة للمساعي الأميركية تجاه غرينلاند. فمن جهة، هناك مخاوف حقيقية من أن يؤدي أي تحرك أميركي أحادي الجانب أو قسري إلى نهاية حلف الناتو، الذي يمثل ركيزة الأمن الجماعي للدول الغربية. ومن جهة أخرى، تشير تصريحات المسؤولين الأوروبيين إلى التزام الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدعم الدانمارك، مما قد يضع الولايات المتحدة في مواجهة مباشرة مع حلفائها الأوروبيين.

كما أن التركيز على “تعزيز الأمن في المنطقة القطبية الشمالية” و”الحماية الجماعية” من قبل أمين عام الناتو يعكس إدراكًا لأهمية هذه المنطقة الاستراتيجية، ليس فقط من حيث الموارد، بل كذلك كممر بحري وموقع عسكري محتمل، مما يجعل أي تغيير في وضع غرينلاند ذا تأثيرات جيوسياسية واسعة النطاق.

تظل قضية غرينلاند محط أنظار الدوائر السياسية والأمنية الغربية، مع استمرار المساعي الأميركية لضم الجزيرة وتصاعد القلق الأوروبي من تداعيات هذه الخطوات على الاستقرار الإقليمي ومستقبل التحالفات القائمة. وتنتظر الأوساط الدولية ما ستسفر عنه المناقشات الجارية بين الأطراف المعنية، والتي ستحدد مسار التعامل مع هذه القضية الاستراتيجية في الأيام والأسابيع القادمة.

إرسال التعليق