الهجوم الإسرائيلي على إيران: أبعاد التخطيط والتداعيات المحتملة

iran israel 1

شهدت المنطقة تصعيداً عسكرياً لافتاً يوم السبت الموافق الثامن والعشرين من فبراير لعام 2026، حيث أطلقت إسرائيل عملية عسكرية واسعة النطاق داخل الأراضي الإيرانية، في خطوة تأتي عقب أسابيع من التحركات الاستخباراتية والمناورات العسكرية المكثفة. وقد تزامنت هذه العملية، التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “زئير الأسد” فيما أشار البنتاغون إليها بـ “الغضب القوي” أو “الغضب الملحمي”، مع إجراءات داخلية إسرائيلية صارمة شملت إعلان حالة الطوارئ وإغلاق المجال الجوي وتعليق الأنشطة العامة، مما يعكس حجم الاستعدادات والاحتياطات المتخذة.

جاءت هذه العملية ضمن خطة مشتركة بين تل أبيب وواشنطن، وارتكزت أهدافها المعلنة على استهداف مواقع عسكرية وحيوية بهدف إضعاف القدرات الإيرانية وتقليص احتمالات الرد العسكري المباشر على إسرائيل. وفي سياق التخطيط لهذه العملية، اختارت إسرائيل يوم السبت لتنفيذ هجومها، مستفيدة من كونه عطلة رسمية تقلل من الحركة المدنية وتتيح تحكماً كاملاً في التحركات العسكرية والسياسية، فضلاً عن ضمان وجود الوزراء وكبار المسؤولين في أماكن محددة لسهولة التواصل الفوري. اللافت في التوقيت أيضاً هو تنفيذ الهجوم صباحاً، خلافاً للعادة المتبعة في العمليات العسكرية السابقة التي كانت تجري ليلاً. من جهته، أشار العميد إلياس حنا، الخبير العسكري والإستراتيجي، إلى أن عنصر المفاجأة الاستراتيجية كان غائباً على المستويين الجيوسياسي والعسكري نظراً لحجم الدفاعات والحشد، إلا أنه تجلى في الجانب العملياتي والتكتيكي وفي طبيعة الأهداف المستهدفة.

شملت خطة الهجوم الإسرائيلية استراتيجية تضليل محكمة للحفاظ على عنصر المفاجأة. تمثلت هذه الخطة في إبقاء الوزراء وكبار المسؤولين في حالة تأهب دائم مع الامتناع عن الإدلاء بأي تصريحات إعلامية بشأن الهجوم. كما جرى تغيير جداول الزيارات الرسمية، ومنها زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي كانت مقررة مطلع الأسبوع، كجزء من الخداع. علاوة على ذلك، حرص رئيس الوزراء ووزير الدفاع على التواجد في منازلهم أثناء تنفيذ الهجوم بهدف تضليل إيران حول مواقع القيادة. وبعد وقت قصير من بدء إسرائيل لعمليتها، انضمت الولايات المتحدة إلى الهجوم، حيث ركزت قواتها في البداية على العمليات البحرية والجوية انطلاقاً من حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” ومجموعتها القتالية، مستهدفة مواقع في جنوب غرب إيران.

تعددت الأهداف التي طالتها الهجمات، حيث شملت المجمع الرئاسي، المعروف بالقصر الرئاسي في طهران، ومواقع تابعة لقوات الحرس الثوري، والبنى التحتية البحرية. وامتدت الضربات لتشمل مناطق داخلية مثل مدينة كرج في محافظة ألبرز، وأصفهان، وقم، إضافة إلى مناطق في غرب البلاد. ووفقاً لمسؤولين أمنيين إسرائيليين رفيعي المستوى اطلعا صحيفة نيويورك تايمز على تفاصيل العملية، فقد بدأ الهجوم الإسرائيلي في الساعة 8:10 صباحاً، مستهدفاً شخصيات إيرانية بارزة، ومتوقعاً أن يستمر لعدة أيام. وفيما ترى إسرائيل أن التهديد الرئيسي الذي يواجهها من إيران حالياً يتمثل في صواريخ أرض-أرض بعيدة المدى، ركزت معظم جهودها، وفقاً لخطة قُدمت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على مواقع تخزين الصواريخ ومرافق إنتاجها ومنصات إطلاقها. في المقابل، من المتوقع أن تركز القوات الأمريكية على المشروع النووي الإيراني وأهداف أخرى مرتبطة بالحرس الثوري والحكومة.

سبقت هذه الموجة من الهجمات استعدادات إسرائيلية بالغة السرية. فخلال الشهر الماضي، أجرى رئيس الأركان الفريق إيال زامير وقائد القوات الجوية الجنرال تومر بار محادثات وإحاطات شخصية مع عناصر العمليات في سرية تامة. وكجزء من عملية التمويه، حضر رئيس الأركان عشاءً عادياً عشية الهجوم لتضليل إيران حول طبيعة الاستعدادات، وفق ما ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت. كما شهدت الأيام السابقة للعملية سلسلة من التفجيرات الاستباقية قبل نحو ساعة ونصف من بدء الهجوم، مما وضع الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد لمواجهة أي ردود محتملة. وعلى الصعيد الداخلي، اتخذت إسرائيل إجراءات احترازية مشددة شملت إعلان حالة الطوارئ ورفع مستوى التأهب في جميع المؤسسات الأمنية والمدنية، وإغلاق المجال الجوي أمام الرحلات المدنية، وتعليق الفعاليات العامة بما في ذلك مباريات الدوري الممتاز لكرة القدم، لضمان السيطرة الكاملة على الوضع الأمني خلال العملية. وقد هدفت هذه الخطوات إلى ضمان الجاهزية الكاملة لأي رد إيراني محتمل، دون إعلان رسمي لحالة الحرب.

في خضم هذه التطورات، دعا زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لبيد إلى وحدة الصف السياسي، مؤكداً أن “إسرائيل تقف موحدة في هذه اللحظات”. بينما ربط رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان هذه التطورات بعيد بوريم، مشيراً إلى الرمزية التاريخية لتجاوز التهديدات السابقة، قائلاً “تجاوزنا هامان وسنتجاوز خامنئي أيضاً”. تعكس هذه المواقف الداخلية حالة التأهب السياسي والاجتماعي في إسرائيل، وتؤكد على توقعات استمرار العملية لعدة أيام على الأقل، وما قد يتبعها من ردود فعل تتطلب أقصى درجات الجاهزية.

تُشير المعطيات المتوفرة إلى أن الهجوم الإسرائيلي واسع النطاق على إيران جاء نتيجة تخطيط دقيق، وشمل استراتيجيات معقدة للتضليل والتنسيق مع الولايات المتحدة، مع التركيز على أهداف محددة تهدف إلى تقويض القدرات العسكرية الإيرانية. وتتوقع إسرائيل استمرار العملية لعدة أيام، وتستعد داخلياً لأي ردود فعل محتملة، مما يؤكد على حجم التصعيد الجاري وتداعياته التي لا تزال تتكشف.

إرسال التعليق