مايكروسوفت تقطع شرايين التجسس السحابي عن الاحتلال

GettyImages 1247376186 scaled 1

في خطوة مدوية هزت أروقة عالم التقنية ودهاليز السياسة، أعلنت شركة مايكروسوفت العملاقة عن قرارها الصارم بإنهاء وصول جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى خدماتها السحابية المتقدمة وتقنيات الذكاء الاصطناعي. هذا القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء كإجراء حاسم عقب ثبوت تورط هذه الأدوات في مشروع تجسسي ضخم استهدف المراقبة الشاملة للفلسطينيين.

تخيلوا معي: ملايين المكالمات الهاتفية، آلاف التيرابايت من البيانات الحساسة، كلها تُخزن وتُحلل يومياً في مشروع سري، مستغلاً قوة منصات التخزين السحابي والذكاء الاصطناعي. هذا ما كشفته التحقيقات المشتركة لصحيفة الغارديان ومجلتي +972 وLocal Call، والتي أظهرت أن وحدة 8200، الذراع الاستخباراتي الأبرز في جيش الاحتلال، قد انتهكت بشكل صارخ شروط خدمة مايكروسوفت.

لكن ما هي الخدمات السحابية وما علاقتها بهذا التجسس؟ ببساطة، الخدمات السحابية مثل “مايكروسوفت أزور” (Microsoft Azure) هي بنية تحتية رقمية تتيح للمستخدمين تخزين كميات هائلة من البيانات وتشغيل التطبيقات والبرامج المعقدة عبر الإنترنت، بدلاً من امتلاك خوادمهم الخاصة. توفر “أزور” قدرات هائلة للتخزين، وحتى مناطق معزولة مخصصة لضمان خصوصية البيانات وأمنها. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: هذه القدرات التي صُممت للابتكار والتقدم، استُخدمت لتطوير نظام قادر على تسجيل وتشغيل وتحليل ملايين المكالمات يومياً، حتى بات شعار الوحدة “مليون مكالمة في الساعة”.

إن الذكاء الاصطناعي، الذي كان يفترض أن يكون محركاً للتحليل المتقدم، أصبح هنا أداة لتحديد الأهداف. فقد كشفت المصادر المطلعة أن المعلومات الاستخباراتية المستمدة من هذا المستودع الضخم للمكالمات الهاتفية، الذي كان محفوظاً بالكامل في السحابة، استُخدمت لتحديد أهداف القصف في غزة. وهذا يضعنا أمام سؤال أخلاقي كبير: إلى أي مدى يجب على شركات التقنية تحمل المسؤولية عن كيفية استخدام منتجاتها؟

مايكروسوفت، وعلى لسان نائب رئيس مجلس الإدارة ورئيس الشركة براد سميث، أكدت مبدأها الثابت: “نحن لا نوفر التكنولوجيا لتسهيل المراقبة الشاملة للمدنيين”. هذا المبدأ الذي طُبّق عالمياً لأكثر من عقدين، أصبح الآن في المحك. ورغم أن الشركة كانت على علم بنقل بيانات استخباراتية حساسة إلى “أزور” منذ عام 2021، فإن القرار بقطع الخدمات جاء بعد فترة ثلاث سنوات من برنامج المراقبة، وبعد ضغوط متزايدة واحتجاجات من مجموعات مثل “لا أزور للفصل العنصري”.

إن هذا القرار يمثل نقطة تحول مهمة في العلاقة بين عمالقة التقنية والجهات الحكومية التي تسعى لاستخدام أدواتهم لأغراض تتجاوز الحدود الأخلاقية والإنسانية. إنه تذكير بأن التقنية، رغم قوتها الهائلة، ليست محايدة، وأن المسؤولية تقع على عاتق مطوريها ومزوديها لضمان استخدامها في خدمة البشرية لا للتجسس عليها أو استهدافها.

إرسال التعليق