غزة تحت السيطرة الهادئة: لماذا يفضل نتنياهو تجميد الصراع بدلاً من إنهائه؟

دمار غزة

شهد قطاع غزة، بعد مرور أشهر على بدء العمليات العسكرية الواسعة، تحولاً ملحوظاً في طبيعة المشهد الميداني والسياسي. فبينما تراجعت كثافة القصف الشامل، لا تشير المؤشرات إلى اقتراب نهاية سياسية للصراع، بل إلى دخوله طوراً جديداً من “السيطرة الهادئة”. هذا التحول، الذي يصفه البعض بأنه استراتيجية إسرائيلية لتجميد الوضع الراهن، يثير تساؤلات عميقة حول الأهداف الحقيقية لحكومة بنيامين نتنياهو، وعواقب ذلك على مستقبل القطاع وسكانه.

التحول من الحرب الشاملة إلى السيطرة الهادئة

لم يعد المشهد في غزة يوحي بحرب تقليدية تسعى إلى حسم عسكري شامل، بل بدا وكأنه يتجه نحو مرحلة تتسم بتغيير جذري في آليات السيطرة. فقد استُبدلت سياسة “القضم التدريجي” التي كانت سائدة في فترات سابقة، باستراتيجية تصفها بعض التحليلات بـ”الإبادة المفتوحة” تحت مظلة اتفاق معلق. هذا الاتفاق، الذي كان يُفترض أن يمهد لانسحاب وترتيبات دولية وفقاً للمرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تحول عملياً إلى غطاء لإدامة وضع “رمادي”.

في هذا الوضع، تُبقي تل أبيب يدها الطولى في الميدان، وتواصل عملياتها الأمنية والعسكرية المحدودة، دون أن تتحمل كلفة دولية توازي كلفة العودة إلى حرب واسعة النطاق. هذا ما شكل جوهر النقاش في برامج تحليلية، حيث بدا أن حكومة نتنياهو لا تسعى إلى حسم الصراع أو إنهائه سياسياً، بل إلى تجميده في صيغة تسمح بتوسيع السيطرة ببطء وتدرج، مع تجنب الضغوط الدولية التي قد تفرض الانسحاب أو متطلبات التسوية السياسية الشاملة. إنها استراتيجية تهدف إلى تحقيق أقصى قدر من المكاسب الميدانية بأدنى قدر من الالتزامات السياسية أو التكاليف الدولية.

“المنطقة الصفراء” وهندسة الواقع الاحتلالي الجديد

ميدانياً، تتجلى هذه الاستراتيجية الإسرائيلية بوضوح في التوسع المتدرج لما يُعرف بـ”المنطقة الصفراء”. هذه المنطقة، التي باتت تشمل أكثر من 60% من مساحة قطاع غزة، تعكس إعادة رسم فعلية للحدود والسيطرة على الأرض. تترافق هذه العمليات مع استمرار سياسة الاغتيالات المستهدفة، وعمليات الهدم الممنهجة للمباني والبنى التحتية، فضلاً عن منع عودة النازحين إلى مناطقهم الأصلية.

يرى الدكتور إياد القرا، الكاتب والمحلل السياسي من خان يونس، أن ما يجري في غزة ليس مجرد إجراءات أمنية عادية، بل هو “هندسة مقصودة لواقع احتلالي جديد”. ويشير القرا إلى أن هذه الهندسة تستخدم الجغرافيا والضغط الديمغرافي كأدوات لفرض فصل عملي بين شرق غزة الذي يخضع للسيطرة الإسرائيلية، وغربها المكتظ بالنازحين الذين دُفعوا قسراً نحو الشريط الساحلي. هذا الدفع السكاني القسري، مع إبقاء المعابر مغلقة وتعطيل جهود إعادة الإعمار، يرسخ معادلة تقوم على تفريغ مساحات واسعة من الحياة المدنية، وتحويلها إلى نطاق أمني مغلق يُدار كمنطقة عازلة طويلة الأمد، مما يعزز من قبضة الاحتلال على الأرض ويغير ديموغرافيا القطاع بشكل جذري.

إدارة الصراع بديلاً عن الحسم العسكري

يتفق هذا المسار مع قراءة الدكتور مهند مصطفى، الأكاديمي والخبير في الشؤون الإسرائيلية، الذي يعتبر أن تل أبيب قد انتقلت من منطق “الحسم العسكري” إلى منطق “إدارة الصراع”. يرى مصطفى أن الاحتلال المتدرج والتوسع البطيء في السيطرة الميدانية هو أقل كلفة سياسياً على إسرائيل من الدخول في حرب إبادة شاملة قد تستدعي عزلة دولية واسعة النطاق وتصعيداً في الضغوط الدولية.

إن البقاء في المرحلة الأولى من الاتفاق، مع استمرار العمليات العسكرية المحدودة، يمنح إسرائيل حرية حركة ميدانية واسعة، ويحول دون الانتقال إلى مرحلة ثانية من الاتفاق قد تفرض انسحاباً إسرائيلياً أو ترتيبات دولية قد تقيد قدرتها على التحكم بمستقبل القطاع. وفي هذا السياق، يُستخدم شعار “نزع سلاح حماس” كأداة سياسية لتعليق المسار التفاوضي. فإسرائيل تربط أي تقدم في المحادثات بشروط تعلم مسبقاً صعوبة تحققها، مما يبرر الإبقاء على الوضع القائم كخيار “اضطراري” لا يمكن تجاوزه في ظل غياب بدائل مقبولة.

إفساد الخطة الأميركية وتشتيت الانتباه

من زاوية أخرى، يرى الأكاديمي والخبير في سياسات الشرق الأوسط الدكتور محجوب الزويري أن نتنياهو لا ينسف الخطة الأميركية صراحة، بل يعمد إلى “إفساد تنفيذها”. يتم ذلك عبر تعطيل آلياتها وإغراق واشنطن بملفات إقليمية متداخلة تصرف الانتباه عن استحقاقات غزة.

ويوضح الزويري أن ربط الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق بملفات إقليمية معقدة مثل إيران ولبنان وسوريا، يربك الإدارة الأميركية ويضعف قدرتها على ممارسة ضغط مركز وفعال. في المقابل، يقدم نتنياهو سلوكه هذا بوصفه التزاماً شكلياً بالخطة، وليس خروجاً عليها، مما يسمح له بالمضي قدماً في استراتيجيته لتجميد الوضع وتكريس السيطرة دون مواجهة رد فعل أميركي حاسم. هذه المناورة السياسية تهدف إلى كسب الوقت وإعادة تشكيل الواقع الميداني بما يخدم مصالح إسرائيل على المدى الطويل.

التباين الصامت وغياب آليات التنفيذ الدولية

في البعد الأميركي، يقدم جو بوريلي، الزعيم الجمهوري السابق لمجلس مدينة نيويورك والمدير الإداري لمجموعة “تشارتويل” للإستراتيجيات، قراءة تشير إلى وجود تباين “صامت” بين إدارة ترامب وحكومة نتنياهو حول توقيت الانتقال للمرحلة الثانية وآلياتها.

فالإدارة الأميركية، بحسب بوريلي، لم تضع أدوات تنفيذية واضحة، ولا جداول زمنية ملزمة لفتح المعابر أو نشر قوة دولية في القطاع. هذا الغياب للآليات التنفيذية يجعل الاتفاق إطاراً سياسياً “بلا مخالب”، ويمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة وفرض الوقائع على الأرض. ويضيف بوريلي أن سيطرة إسرائيل على المعابر، ولا سيما معبر رفح، وتحكمها في إدخال المساعدات الإنسانية، يحول البعد الإنساني إلى ورقة ضغط سياسية. تُستخدم هذه الورقة لانتزاع تنازلات أو لتكريس معادلة السيطرة دون الاضطرار إلى إعلان انهيار الاتفاق بشكل صريح.

تداعيات الجمود على الواقع الغزي

في غزة، كما ينقل الدكتور القرا، يُترجم هذا الجمود السياسي والعسكري إلى شعور متزايد بأن الهدنة لم تُغير جوهر المعادلة على الأرض. فالحصار لا يزال قائماً، والدمار يتسع ليشمل مناطق جديدة، في حين يغيب أي أفق للانسحاب الإسرائيلي. تتحول الحياة اليومية للسكان إلى انتظار طويل ومؤلم تحت سقف الخيام والمناطق المغلقة، في ظل غياب أي رؤية واضحة لمستقبلهم أو لجهود إعادة الإعمار.

ويرى الدكتور مصطفى أن نتنياهو يفضل هذا الوضع لأنه يحقق له توازناً حساساً. فمن جهة، يرضي اليمين المتطرف في حكومته بعدم تقديم تنازلات سياسية كبيرة. ومن جهة أخرى، يجنبه مواجهة دولية شاملة قد تفرض عليه شروطاً لا يرغب بها. كما يؤجل هذا الوضع استحقاقات المساءلة الداخلية التي قد تفرضها عليه المعارضة أو الرأي العام الإسرائيلي بشأن إدارة الحرب ومستقبل القطاع.

مستقبل غزة في ظل التجميد

يخلص الدكتور الزويري إلى أن غياب آلية دولية ملزمة، سواء عبر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أو من خلال قوة متعددة الجنسيات، يجعل المرحلة الأولى من الاتفاق أداة لتقنين “القضم التدريجي” للأراضي، لا جسراً نحو تسوية سياسية شاملة. ففي ظل عجز الوسطاء عن فرض الانتقال إلى ما بعدها، تستمر إسرائيل في تطبيق استراتيجيتها لتجميد الوضع الراهن، مما يرسخ سيطرتها على القطاع ويغير واقعه الجغرافي والديمغرافي.

إن استراتيجية التجميد هذه، وإن كانت تحقق لنتنياهو أهدافاً سياسية وميدانية مؤقتة، فإنها تحمل في طياتها بذور تصعيد مستقبلي، وتعمق الأزمة الإنسانية في غزة، وتجعل من أي حل سياسي مستقبلي أكثر تعقيداً وصعوبة. يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى قدرة هذه الاستراتيجية على الصمود أمام الضغوط الدولية المتزايدة، وتداعياتها على الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

إرسال التعليق