شهيد بالخليل واعتقالات في نابلس.. انتهاكات الاحتلال في الضفة الغربية منذ الصباح

اقتحامات الضفة الغربية

تشهد الضفة الغربية المحتلة تصعيداً أمنياً وعسكرياً، يتجلى في سلسلة من الاقتحامات العنيفة والاشتباكات الميدانية التي تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى عمليات الاعتقال واستهداف المدنيين والصحفيين. وقد تركزت الأحداث الأخيرة في مدينة نابلس شمال الضفة، حيث شهدت المدينة اقتحاماً واسعاً أسفر عن إصابات واعتقالات، بينما أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد فلسطيني في مدينة الخليل جنوباً، مع احتجاز جثمانه. هذه التطورات تأتي في سياق تصاعد مستمر للتوترات منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023، وتزامنت مع اقتحامات للمستوطنين للمسجد الأقصى في القدس، مما يضع المنطقة على شفا انفجار أوسع.

تصعيد ميداني في نابلس

استيقظت مدينة نابلس، شمال الضفة الغربية، على وقع اقتحام عسكري إسرائيلي واسع النطاق صباح الأحد، شمل تسلل وحدات خاصة تلتها قوات معززة من عدة محاور. وقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن وصول إصابتين بالرصاص الحي إلى مستشفى رفيديا الحكومي، وصفت حالتهما بالمتوسطة، وذلك خلال الاشتباكات التي اندلعت في المدينة. وأفاد شهود عيان بأن قوات الاحتلال حاصرت مسجداً في حارة القريون بالبلدة القديمة، واعتقلت فلسطينيين اثنين على الأقل عقب محاصرته.

وشهدت البلدة القديمة والسوق الشرقي انتشاراً مكثفاً لقوات الاحتلال، مع سماع أصوات إطلاق كثيف للرصاص الحي، مما أثار حالة من الذعر بين السكان. من جانبه، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إصابة جندي إسرائيلي بجروح متوسطة خلال ما وصفه بـ “نشاط عملياتي” في نابلس، مشيراً إلى “اشتباكات مسلحة بين مقاومين فلسطينيين وجيش الاحتلال”. وأوضح مراسل الجزيرة أن الاشتباكات وقعت عقب تسلل الوحدات الخاصة الإسرائيلية إلى البلدة القديمة.

ولم يقتصر التصعيد على الاشتباكات الميدانية، بل امتد ليشمل استهداف الطواقم الصحفية التي كانت تغطي الأحداث. فقد أصيب 15 فلسطينياً بالاختناق جراء إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع في البلدة القديمة، من بينهم مراسل الجزيرة، الزميل ليث جعار، الذي استهدف بقنبلة صوتية بشكل مباشر أثناء تقديمه مداخلة لرصد التطورات. وقد أظهرت لقطات مصورة لحظة استهداف الزميل جعار، في محاولة واضحة لعرقلة التغطية الصحفية ونقل حقيقة ما يجري على الأرض. كما أفاد الهلال الأحمر الفلسطيني بأن قوات الاحتلال احتجزت عدداً من الصحفيين في حارة الياسمينة داخل البلدة القديمة، في انتهاك صارخ لحرية الصحافة.

وقد دفع جيش الاحتلال بتعزيزات عسكرية إضافية نحو مدينة نابلس، ونشر قواته في عدة أحياء وداخل البلدة القديمة، كما نشر عناصر من فرق القناصة في أماكن مختلفة مطلة على البلدة القديمة ووسط البلد، بالإضافة إلى إطلاق طائرات مسيرة في سماء المدينة لمراقبة الأوضاع. تأتي هذه التطورات في وقت أفادت فيه وسائل إعلام إسرائيلية بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يعقد اجتماعاً أمنياً مصغراً مع قادة المؤسسة الأمنية، مما يشير إلى مستوى التوتر والخطورة التي ترافق هذه العمليات.

استشهاد فلسطيني واحتجاز للجثمان في الخليل

وفي تطور موازٍ يعكس حالة التصعيد الشامل، شهدت مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية حادثة استشهاد جديدة. فقد أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية عن استشهاد فلسطيني برصاص قوات الاحتلال ليلة الجمعة إلى السبت. وذكرت الوزارة أن سلطات الاحتلال احتجزت جثمان الشهيد، في ممارسة متكررة تزيد من معاناة ذوي الشهداء وتخالف الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية.

من جانبه، أعلن الهلال الأحمر الفلسطيني أن قوات الاحتلال أطلقت النار على مركبة فلسطينية وسط مدينة الخليل، ومنعت طواقمه من الوصول إلى المكان لتقديم الإسعافات الأولية للفلسطيني المصاب داخل مركبته. وأكد الهلال الأحمر أن قوات الاحتلال قامت باحتجاز المصاب ومن ثم جثمانه.

في المقابل، ادعى جيش الاحتلال الإسرائيلي أنه أطلق النار على المركبة بذريعة تنفيذ عملية “دعس”، وهي رواية كثيراً ما تستخدم لتبرير إطلاق النار على الفلسطينيين في ظروف غامضة أو مشكوك فيها. هذه الحادثة تسلط الضوء على السياسات الإسرائيلية في التعامل مع الفلسطينيين، حيث يتم إطلاق النار بقصد القتل في كثير من الأحيان، ثم يتم احتجاز الجثامين كشكل من أشكال العقاب الجماعي، وكمحاولة لإخفاء تفاصيل ما جرى.

انتهاكات متواصلة في القدس والمسجد الأقصى

لم تكن القدس بمعزل عن تصعيد الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة، حيث كشف مراسل الجزيرة عن اقتحام مستوطنين للمسجد الأقصى المبارك في القدس بحماية مشددة من شرطة الاحتلال. تأتي هذه الاقتحامات شبه اليومية ضمن سياسة ممنهجة لتغيير الوضع الراهن التاريخي والقانوني للمسجد الأقصى، وفرض واقع جديد على الأرض، وتثير استفزازات متكررة للمسلمين حول العالم. إن استمرار هذه الانتهاكات في أقدس مقدسات المسلمين يزيد من حدة التوتر ويغذي دائرة العنف في المنطقة، ويشكل تهديداً خطيراً للأمن والسلم الإقليميين.

سياق التصعيد

إن الأحداث الأخيرة في نابلس والخليل والقدس لا تشكل حوادث فردية، بل هي جزء من سياق أوسع لتصعيد غير مسبوق تشهده الضفة الغربية المحتلة منذ بدء “الإبادة الإسرائيلية” على قطاع غزة في الثامن من أكتوبر 2023. فمنذ ذلك التاريخ، تزايدت وتيرة الاقتحامات العسكرية الإسرائيلية بشكل كبير، وتصاعدت اعتداءات المستوطنين بحماية الجيش، مما أدى إلى موجة واسعة من الاعتقالات وتدمير الممتلكات.

وتشير المعطيات الفلسطينية الرسمية إلى حجم الكارثة الإنسانية في الضفة الغربية، حيث أسفرت الاعتداءات الإسرائيلية عن استشهاد أكثر من 1100 فلسطيني، وإصابة نحو 11 ألفاً، واعتقال ما يزيد على 21 ألف شخص منذ بدء التصعيد الأخير. هذه الأرقام المفزعة تعكس سياسة العقاب الجماعي والانتهاكات الصارخة للقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك التوسع في المشاريع الاستيطانية التي تعتبر غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتدمير البنى التحتية، وفرض قيود مشددة على حركة الفلسطينيين. إن استمرار هذه السياسات يهدد بشكل مباشر أي آفاق لحل سلمي للصراع، ويدفع المنطقة نحو مزيد من عدم الاستقرار.

إن المشهد الراهن في الضفة الغربية يعكس واقعاً مريراً من الاحتلال والانتهاكات المتواصلة، حيث تتصاعد وتيرة العنف الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني. الاقتحامات الدموية في نابلس، وعمليات الاستشهاد في الخليل، واستهداف الصحفيين، واقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، كلها مؤشرات على سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض السيطرة الكاملة على الأرض وتهجير السكان الأصليين. إن صمت المجتمع الدولي وتخاذله عن اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف هذه الانتهاكات يشجع قوات الاحتلال على المضي قدماً في سياساتها العدوانية دون مساءلة. يبقى الشعب الفلسطيني صامداً في وجه هذه التحديات، مؤكداً على حقه في المقاومة والعيش بكرامة وحرية على أرضه. إن استمرار هذا النمط من التصعيد لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار وتغذية دائرة العنف، مما يستدعي تدخلاً دولياً عاجلاً وفاعلاً لحماية المدنيين وإنهاء الاحتلال.

إرسال التعليق